SHOLAWAT GHOIBIYAH SYEKH IMAM AHMAD AT-TIJANY RA
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الفاتح الخاتم
وعلى آله وصحبه أجمعين
الصَّــلاَةُ الغَيْبِيَةُ
فِــي
الحَقِيقَــةِ الأَحْمَدِيَّـــةِ
نشرها
سيدي محمد الكبير بن سيدي أحمد
بن سيدي محمد الكبير التجاني
عامله الله بلطفه وأمنه بحفظه
الصَّلاَةُ الغَيْبِيَةُ فِي الحَقِيقَةِ الأَحْمَدِيَّةِ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَيْنِ ذَاتِكَ العَلِيَّةِ، بِأَنْوَاعِ كَمَالاَتِكَ البَهِيَّةِ فِي حَضْرَةِ ذَاتِكَ الأَبَدِيَّةِ، عَلَى عَبْدِكَ القَائِمِ بِكَ مِنْكَ لَكَ إِلَيْكَ بِأَتَمِّ الصَّلَوَاتِ الزَّكِيَّةِ، المُصَلّي ِفِي مِحْرَابِ عَيْنِ هَاءِ الهُوِيَّةِ، التَّالِي السَّبْعَ المَثَانِي بِصِفَاتِكَ النَّفْسِيَّةِ، المُخَاطَبِ بِقَوْلِكَ لَهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، الدَّاعِي بِكَ لَكَ بِإِذْنِكَ، لِكَافَّةِ شُؤُونِكَ العلمِيَّةِ، فَمَنْ أَجَابَ اصْطَفِيَ وَقُرِّبَ، المُفِيضِ عَلَى كَافَّةِ مَنْ أَوْجَدْتَهُ بِقَيُّومِيَّةِ سِرِّكَ المَدَدِ السَّارِي فِي كُلِيَّةِ أَجْزَاءِ مَوْهِبَةِ فَضْلِكَ، المُتَجَلِّى عَلَيْهِ فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ وَأُنْسِكَ، بِكَمَالاَتِ أُلُوهِيَّتِكَ فِي عَوَالِمِكَ وَبَرِّكَ وَبَحْرِكَ . فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاَةً كَامِلَةً تَامَّةً بِكَ وَمِنْكَ وَإِلَيْكَ وَعَلَيْكَ، وَسَلِّمْ عَلَيْهِ سَلاَماً تَامّاً عَامّاً شَامِلاً، لأَنْوَاعِ كَمَالاَتِ قُدْسِكَ، دَائِمَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ عَلَى خَلِيلِكَ وَحَبِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، عَدَدَ مَا فِي عِلْمِكَ القَدِيمِ، وَعَمِيمِ فَضْلِكَ العَظِيمِ، وَنُبْ عَنَّا بِمَحْضِ فَضْلِكَ الكَرِيمِ، فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ صَلاَتَكَ التِي صَلَّيْتَ عَلَيْهِ فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ وَهُوِيَّةِ أُنْسِكَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَةِ رَسُولِكَ وَنَبِيِّكَ، وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَسْلِيماً عَدَدَ إِحَاطَةِ عِلْمِكَ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، الحَمْدُ للهِ المُحِيطِ الأَوَّلِ الآخِرِ البَاطِنِ الظَّاهِرِ [بِأَحَدِيَّةِ][1] جَمْعِ ذَاتِهِ، القَائِمِ بِكَمَالِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لِتَجَلِّّيهِ لِذَاتِهِ بِذَاتِهِ فِي ذَاتِهِ عَلَى ذَاتِهِ بِجَمِيعِ مُتَضَادَّاتِهِ ، فِي أَسْمَائِهِ وَسِمَاتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الكَافِي بِذَاتِهِ فِي جَمِيعِ مُقْتَضَيَاتِهِ الهُوِيَّةِ السَّارِيَةِ، وَلَيْسَ إِلاَّ مَظَاهِرُهُ البَادِيَةُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً سِرُّ ذَاتِهِ، وَرُوحُ حَيَاتِهِ، وَنُورُ مِرْآتِهِ، وَقَيُّومُ أَسْمَائِهِ وَسِمَاتِهِ، وَجَامِعُ جَمْعِ حَضَرَاتِهِ، القَائِمُ بِإِحْصَاءِ أَسْمَائِهِ بِآيَاتِهِ، الأَوَّلُ فِي تَعَلُّقِهِ لِذَاتِهِ، الآخَرُ عَلَى حِيطَةِ حُكْمِ مَعْلُومَاتِهِ، البَاطِنُ بِفَرْطِ الظُّهُورِ فِي مَثُلاَثِهِ، وَالظَّاهِرُ بِمَا أَحَاطَ قَيُّومُهُ بِصِفَاتِهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنْهُ عَلَى السَّيِّدِ العَبْدِ الأَكْمَلِ الفَاتِحِ الخَاتِمِ بِعَيِنِ مَا هُوَ الأَوَّلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ كََمَا لاَ نِهَايَةَ لأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَكَمَالاَتِهِ.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا وَمَوْلاَنَا وَوَسِيلَتَنَا إِلَى رَبِّنَا الشَّيْخَ الإِمَامَ شَيْخَ مَشَايِخِ الإِسْلاَمِ حُجَّةُ الصُّوفِيَةِ، قُدْوَةَ أَهْلِ الخُصُوصِيَةِ، عَالِمَ الشَّرِيعَةِ، أُسْتَاذَ الطَّرِيقَةِ، سُلْطَانَ أَهْلِ الحَقِيقَةِ، إِمَامَ الطَّرِيقَتَيْنِ، وَمُقَدَّمَ الفِرْقَتَيْنِ، صَاحِبَ العُلُومِ الجَمَّةِ، وَمَعْدِنَ المَعَارِفِ، وَلِسَانَ الحِكْمَةِ، قُطْبَ الزَّمَانِ وَالحَامِلَ فِي وَقْتِهِ لِوَاءَ أَهْلِ العِرْفَانِ، لِسَانَ القُدْسِ وَتُرْجُمَانَ الرَّحْمَنِ، عَلَمَ المُهْتَدِينَ، قُدْوَةَ السَّالِكِينَ تَاجَ العَارِفِينَ، إِمَامَ الصِّدِّيقِينَ، إِنْسَانَ عَيْنِ الأُسْتَاذَيْنِ الوَارِثِينَ كَهْفَ المُوقِنِينَ الوَارِثِينَ، أُسْتَاذَ الأَكَابِرِ وَالمُنْفَرِدَ فِي زَمَانِهِ بِالمَعَارِفِ السَّنِيَّةِ وَالمَفَاخِرِ، العَالِمَ بِاللهِ وَالدَّالَ عَلَى اللهِ، زَمْزَمَ الأَسْرَارِ، وَمَعْدِنَ الأَنْوَارِ الصِّدِّيقَ الكَبِيرَ القُطْبَ الغَوْثَ الجَامِعَ الوَارِثَ الرَّبَانِيَّ الشَّرِيفَ النَّسَبِ وَالأَصِيلَ الحَسَبِ: أَبُو العَبَّاسِ التِّجَانِيَّ سَقَانَا اللهُ تَعَالَى مِنْ بَحْرِهِ بِأَعْظَمِ الأَوَانِي. وَضَعَ رضي الله عنه تَقْيِيداً عَلَى الصَّلاَةِ الغَيْبِيَةِ فِي الحَقِيقَةِ الأَحْمَدِيَّةِ، فَأَجَادَ فِيهِ وَأَفَادَ، وَبَلَغَ غَايَةَ المُرَادِ.
مقدمــة:
فَقَال رضي الله عنه: اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الصَّلاَةِ الغَيْبِيَةِ أَنَّهَا بَرَزَتْ مِنَ الغَيْبِ لَيْسَتْ مِنْ إِنْشَاءِ أَحَدٍ، وَأَمَّا الحَقِيقَةُ الأَحْمَدِيَّةُ، فَهِيَ الأَمْرُ الذِّي سَبَقَ بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الحَمْدِ للهِ كُلَّ حَامِدٍ مِنَ الوُجُودِ، فَمَا حَمِدَ اللهَ أَحَدٌ فِي الوُجُودِ مِثْلَ مَا حَمِدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الوُجُودِ، ثُمَّ إِنَّهَا فِي نَفْسِهَا أَيْ الحَقِيقَةِ الأَحْمَدِيَّةِ غَيْبٌ مِنْ أَعْظَمِ غُيُوبِ اللهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ المَعَارِفِ وَالعُلُومِ وَالأَسْرَارِ وَالفُيُوضَاتِ وَالتَّجَلِّيَاتِ وَالمِنَحِ وَالمَوَاهِبِ وَالأَحْوَالِ العَلِيَّةِ، وَالأَخْلاَقِ الزَّكِيَّةِ، فَمَا ذَاقَ مِنْهَا أَحَدٌ شَيْئاً وَلاَ جَمِيعُ الرُّسُلِ وَالنَّبِيئِينَ، اخْتَصَّ بِهَا صلى الله عليه وسلم وَحْدَهُ بِمَقَامِهَا، وَكُلُّ مَدَارِكِ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ وَجَمِيعِ المَلاَئِكَةِ وَالمُقَرَّبِينَ وَجَمِيعِ الأَقْطَابِ وَالصِّدِّيقِينَ وَجَمِيعِ الأَوْلِيَاءِ وَالعَارِفِينَ كُلُّ مَا أَدْرَكُوهُ عَلَى جُمَلِهِ وَتَفْصِيلِهِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ فَيْضِ حَقِيقَتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ الأَحْمَدِيَّةُ فَلاَ مَطْمَعَ لأَحَدٍ بِنَيْلِ مَا فِيهَا، فَالحَاصِلُ أَنَّ لَهُ صلى الله عليه وسلم مَقَامَيْنِ مَقاَمُ حَقِيقَتِهِ الأَحْمَدِيَّةِ، وَهُوَ الأَعْلَى، وَمَقَامُ حَقِيقَتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ وَهُوَ أَدْنَى، وَلاَ أَدْنَى فِيهِ. وَكُلُّ مَا أَدْرَكَهُ جَمِيعُ المَوْجُودَاتِ مِنَ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ وَالفُيُوضَاتِ وَالتَّجَلِّيَاتِ وَالتَّرَقِّيَاتِ وَالأَحْوَالِ وَالمَقَامَاتِ وَالأَخْلاَقِ، إِنَّمَا هُوّ كُلُّهُ مِنْ فَيْضِ حَقِيقَتِهِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَأَمَّا مَا فِي حَقِيقَتِهِ الأَحْمَدِيَّةِ فَمَا نَالَ مِنْهُ أَحَدٌ شَيْئاً اخْتَصَّ بِهِ وَحْدَهُ صلى الله عليه وسلم، لِكَمَالِ عِزِّهَا، وَغَايَةِ عُلُوِّهَا. فَهَذِهِ هِيَ الحَقِيقَةُ الأَحْمَدِيَّةُ صلى الله عليه وسلم وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَمَجَّدَ وَعَظَّمَ.
قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَيْنِ ذَاتِكَ العَلِيَّةِ"، يَعْنِي أَنَّّ الحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَجَلَّى بِكَمَالِ ذَاتِهِ الذَّاتِيَةِ فِي الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَهِيَ لَهَا أَيْ لِلذَّاتِ العَلِيَّةِ كَالمِرْآةِ تَتَرَآى فِيهَا، فَبِهَذِهِ الحَيْثِيَةِ وَبِهَذِهَ النِّسْبَةِ كَانَتِ الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ كَأَنَّهَا عَيْنُ الذَّاتِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا التَّجَلِّي فِي الوُجُودِ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلاَّ لَهُ صلى الله عليه وسلم، فَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ كَانَ صلى الله عليه وسلم عَيْنَ الذَّاتِ لاَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ التِي ذَكَرْنَاهَا وَلَوْ كَانَ هُوَ عَيْنَ الذَّاتِ لِعَبْدٍ وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ، وَقَدْ سَجَّلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالعُبُودِيَّةِ حَيْثُ قََالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَبَارَكَ اَلذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾[2] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾2 فَالعُبُودِيَةُ لاَ تَتَأَتَّى لِلذَّاتِ العَلِيَّةِ لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ التِي ذَكَرْنَاهَا صَارَ كَأَنَّهُ عَيْنُهَا.
قَوْلُهُ: "بِأَنْوَاعِ كَمَالاَتِكَ البَهِيَّةِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ كِلاَهُمَا صَحِيحٌ: المَعْنَى الأَوَّلُ: حَالَةُ التَّجَلِّي. وَالثَّانِي: حَالَةُ الصَّلاَةِ، فَحَالَةُ التَّجَلِّي يَعْنِي تَجَلَّيْتَ فِيهِ بِكَمَالاَتِ ذَاتِكَ البَهِيَّةِ، وَالثَّانِي حَالَةُ الصَّلاَةِ يَعْنِي صَلَّى اللهُ [صَلِّ]3 عَلَيْهِ بِكَمَالاَتِ ذَاتِكَ البَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: "فِي حَضْرَةِ ذَاتِكَ الأَبَدِيَّةِ"، مَعْنَاهُ هُوَ صَلاَةُ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَيْهِ يَا رَبِّ فَصَلِّ عَلَيْهِ فِي حَضْرَةِ ذَاتِكَ الأَبَدِيَّةِ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ فِي حَضْرَةِ الذَّاتِ لَيْسَتْ هِيَ الرَّحْمَةَ كَمَا يَقُولُهُ العُلَمَاءُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لاَ يُذْكَرُ وَلاَ يُعْرَفُ وَلاَ يُدْرَكُ، فَإِنَّ حَضْرَةَ الذَّاتِ انْطَمَسَتْ فِيهَا العِبَارَاتُ كُلُّهَا، وَانْعَدَمَتِ الإِشَارَاتُ، فَإِنَّ حَضْرَةَ الذَّاتِ لَوْ بَرَزَتْ لِلنَّاظِرِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يُجِيبَ [عَنْ]4 سُؤَالٍ، أَوْ يُمَيِّزَ مَرْتَبَةً مِنَ المَرَاتِبِ. وَلَوْ سُئِلَ مَائَةَ أَلْفِ سُؤَالٍ مَا قَدَرَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ، وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ مِثَالُ: مَنْ أُلْقِيَ فِي نَارٍ طُولُهَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَعَرْضُهَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَهِيَ شَدِيدَةُ الوَقُودِ لِكَثْرَةِ حَطَبِهَا، وَحَالُ مَنْ أُلْقِيَ فِيهَا مَعْرُوفٌ، لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِهَا، وَلاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهَا أَنْ يُجِيبَ سَائِلاً، أَوْ يَفْهَمَ كَلاَماً لِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ عِظَمِ الأَمْرِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: "عَلَى عَبْدِكَ القَائِمِ بِكَ مِنْكَ لَكَ إِلَيْكَ"، العَبْدُ هُنَا هُوَ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ العَبْدُ الحَقِيقِيُّ الذِي عَبَدَ اللهَ بِكُلِّيَتِهِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي مُنَاجَاتِهِ فِي السُّجُودِ: "سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي". السَّوَادُ هُوَ جَسَدُهُ الكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم، وَالخَيَالُ هُوَ الرُّوحُ المُقَدَّسَةُ، يُرِيدُ أَنَّهُ مَا تَخَلَّفَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنِ السُّجُودِ، سَجَدَ [بِكُلِّيَتِهِ][3] للهِ تَعَالَى مَا تَخَلَّفَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنِ السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: "القَائِمُ"، يَعْنِي قِيَامَهُ بِحُقُوقِ اللهِ تَعَالَى سِراً وَعَلاَنِيَةً.
قَوْلُهُ: "بِكَ"، يَعْنِي لَيْسَ قِيَامُهُ بِنَفْسِهِ كَحَالَةِ المَحْجُوبِينَ، وَإِنَّمَا حَالَةُ العَارِفِ كَيْفَمَا تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ بِاللهِ تَعَالَى وَنَفْسُهُ عَنْهُ غَائِبَةٌ، فَهَذَا هُوَ القِيَامُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى [حَدِّ]2 مَا ذَكَرَهُ فِي الحَدِيثِ: "كُنْتُ سَمْعَهُ الذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ" الخ. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى القِيَامِ بِاللهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: "مِنْكَ"، يَعْنِي أَنَّ الفَيْضَ الذِي أَفَاضَهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ قَائِماً بِاللهِ، إِنَّمَا كَانَ الفَيْضُ مِنَ اللهِ تَعَالَى لاَ مِنْ غَيْرِهِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَلاَ مِنْ مَادَّةٍ بَشَرِيَّتِهٍ بَلْ كَانَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: "لَكَ"، يَعْنِي أَنَّهُ قَامَ للهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، هُوَ للهِ تَعَالَى لَيْسَ لِنَفْسِهِ فِيهِ حَظٌّّّّّ وَلاَ نَصِيبٌ، كَمَا نَقَلَ الرُّوَاةُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَا انْتَصَرَ قَطٌّ لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: "إِلَيْكَ"، يَعْنِي قِيَامَهُ الذِي قَامَ بِهِ وَفِيهِ هُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ذَاهِبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ الأَغْيَارِ بِمَحْقِ الغَيْرِ وَالغَيْرِيَّةِ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ: ﴿فَفِرُّوۤاْ إِلَى اَللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾3 يَعْنِي مِنْ جَمِيعِ غَيْرِهِ، وَكَمَا [أَخْبَرَ]4 اللهُ عَنْ خَلِيلِهِ وَصَفِيِّهِ سَيِّدَنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَقَالَ:﴿إِنِّي ذَاهِبٌ اِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾5 قَالَ الشَّيْخُ مَوْلاَنَا عَبْدُ السَّلاََمِ رضي الله عنه: "لاَ تَخْتَرْ مِنْ أَمْرِكَ شَيْئاً وَاخْتَرْ أَنْ لاَ تَخْتَارَ وَفِرَّ مِنْ ذَلِكَ المُخْتَارِ وَمِنْ اخْتِيَارِكَ وَمِنْ فِرَارِكَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى اللهِ"، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ﴾.
قَوْلُهُ: "بِأَتَمِّ الصَّلَوَاتِ الزَّكِيَةِ"، مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ بِأَتَمِّ الصَّلَوَاتِ يَعْنِي بِأَكْمَلِهَا وَأَعْظَمِهَا.
قَوْلُهُ: "الزَّكِيَةِ"، يَعْنِي المُتَزَايِدَةَ التِي لاَ غَايَةَ لَهَا، وَالزَّكِيَةُ فِي نَفْسِهَا هِيَ البَالِغَةُ إِلَى الغَايَةِ القُصْوَى فِي الكَمَالِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: "المُصَلِّي فِي مِحْرَابِ عَيْنِ هَاءِ الهُوِيَّةِ"، يَعْنِي أَنَّ المُصَلِّيَ فِي مِحْرَابِ عَيْنِ هَاءِ الهُوِيَّةِ هُوَ إِمَامُ جَمِيعِ الوُجُودِ، وَالوُجُودُ كُلُّهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ المِحْرَابُ لِكَوْنِهِ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي مَرْتَبَتِهِ الأَحَدِيَةِ، فَإِنَّ الوُجُودَ كُلَّهُ يُصَلِّي فِي جَامِعِ حِيطَةِ الأُلُوهِيَّةِ. وَهُوَ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي مِحْرَابِ تَجَلِّي الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ هِيَ، فَإِنَّهَا عَيْنُ العَيْنِ وَعَيْنُ الهَاءِ، فَالهَاءُ هِيَ هُوِّيَةُ الذَّاتِ وَالعَيْنُ عَيْنُهَا، وَوُجُودُهَا الذِي هُوَ حَضْرَةُ الطَّمْسِ وَالعَمَا.
قَوْلُهُ: "التَّالِي السَّبْعَ المَثَانِيَ"، يَعْنِي أَنَّ السَّبْعَ المَثَانِي هُنَا هِيَ فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَهِيَ فِي تِلْكَ الحَضْرَةِ لاَ تُعْرَفُ وَلاَ تُدْرَى، إِنَّمَا هِيَ فِي ذَلِكَ المَقَامِ [عَيْنُ هَاءٍ][4].
قَوْلُهُ: "بِصِفَاتِكَ النَّفْسِيَّةِ"، يَعْنِي أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِِهَا حِينَئِذٍ وَلاَ يَتَّصِفُ بِهَا غَيْرُهُ إِلاَّ خَلِيفَتُهُ الأَكْبَرُ، وَالصِّفَاتُ النَّفْسِيَّةُ هِيَ السَّبْعُ [المَثَانِي][5]، وَهِيَ القُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالعِلْمُ وَالحَيَاةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلاَمُ، لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَلاَ السَّبْعَ المَثَانِي فِي تِلْكَ الحَضْرَةِ، لأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ التِي هِيَ صِفَاتُ الذَّاتِ العَلِيَّةِ جَلَّتْ وَتَقَدَّسَتْ، وَقَدْ اجْتَمَعَتْ عُلُومُهُ صلى الله عليه وسلم وَمَعَارِفُهُ وَأَسْرَارُهُ وَجَمِيعُ المَوْجُودَاتِ مِنْ كُلِّ مَا أَدْرَكُوهُ فِي هَذَا المَيْدَانِ كَلِّهِ تَحْتَ مَقَامِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ، وَهُمَا عَيْنٌ هَاءٍ.
قَوْلُهُ: "المُخَاطَبُ بِقَوْلِكَ لَهُ "وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"، يَعْنِي أَنَّ سُجُودَهُ للهِ تَعَالَى سُجُودٌ بِكُلِّيَتِهِ جُزْءاً جُزْءاً، ظَاهِراً وَبَاطِناً، كَمَا قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ السَّابِقَةِ: "سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي" الخ. وَاقْتَرَبْ مَعْنَاهُ قُرْبُ النِّسْبَةِ لاَ قُرْبُ المَسَافَةِ، وَمَعْنَاهُ هُوَ مُنَاسَبَةُ العَبْدِ لِلحَضْرَةِ الإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّ الحَضْرَةَ قُلْنَا حَقِيقَتُهَا هِيَ مَحْقُ الغَيْرِ وَالغَيْرِيَةِ، فَلاَ أَيْنَ وَلاَ كَيْفَ وَلاَ رَسْمَ وَلاَ وَهْمَ وَلاَ خَيَالَ وَلاَ عَقْلَ وَلاَ تَمْيِّيزَ إِلاَّ الطَّمْسُ وَالعَمَا، حَيْثُ لَمْ يُعْقَلْ هُنَاكَ إِلاَّ اللهُ بِاللهِ للهِ فِي اللهِ عَنِ اللهِ، فَهَذِهِ هِيَ نِسْبَةُ الحَضْرَةِ الإِلَهِيَّةِ وَهَذَا هُوَّ القُرْبُ الحَقِيقِيُّ لاَ قُرْبُ المَسَافَةِ، وَالعَبْدُ وَُضِعَ فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِ لاَ يَخُوضُ إِلاَّ فِي وُجُودِ الكَوْنِ كَيْفَمَا تَقَلَّبَ، وَكَيْفَمَا تَحَرَّكَ أَوْ سَكَنَ، هُوَ فِي غَيْبَةٍ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ البُعْدُ عَنِ اللهِ لاَ بُعْدَ المَسَافَةِ، فَإِنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا وََتَحَقَّقْتَهُ فَالعَبْدُ إِذاً دَخَلَ الحَضْرَةَ الإِلَهِيَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ بِنِسْبَتِهَا، وَهِيَ مَحْوُ الغَيْرِ وَالغَيْرِيَّةِ مِنْ قَلْبِهِ، فَحِينَئِذٍ يُنَاسِبُهَا وَيَدْخُلُهَا، فَإِذَا دَخَلَهَا كَانَ مَقَامُهُ فِيهَا مُنَاسِبَةً مَا انْكَشَفَ لَهُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ، فَإِذَا أَدَّى آدَابَهَا وَوَظَائِفَهَا وَحَقَائِقَهَا نَاسَبَ المَقَامَ الذِي فَوْقَهَا الذِي كَانَ مُحْتَجِباً عَنْهُ، فَيَرْقَى إِلَيْهِ وَيَدْخُلُهُ فَيَتَجَلَّى لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ قَدْرُ مَا يَكُونُ المَقَامُ مَعَهُ كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ. وَالصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ التِّي انْكَشَفَتْ لَهُ فِي مُنَاسَبَتِهِ لَهَا فَإِذَا أَدَّى وَظَائِفَ مَقَامِهِ وَآدَابِهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ نَاسَبَ المَقَامَ الثَّالِثَ وَارْتَقَاهُ، وَتَجَلَّى لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ فِيهِ مَا يَكُونُ مَعَهُ المَقَامُ الثَّانِي كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ. فَإِذَا أَدَّى وَظَائِفَ المَقَامِ الثَّالِثِ وَآدَابَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ نَاسَبَ المَقَامَ الرَّابِعَ فَارْتَقَاهُ بِنِسْبَتِهِ، وَتَجَلَّى لَهُ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ وَالمَوَاهِبِ وَالفُيُوضِ وَالتَّجَلِّيَاتِ مَا يَكُونُ مَعَهُ المَقَامُ الثَّالِثُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ. ثُمَّ إِذَا أَدَّى وَظَائِفَ المَقَامِ الرَّابِعِ وَاسْتَوْفَى آدَابَهُ نَاسَبَ المَقَامَ الخَامِسَ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ. فَإِذَا نَاسَبَهُ ارْتَقَى إِلَيْهِ وَتَجَلَّى لَهُ فِيهِ مَا يَكُونُ المَقَامُ الرَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ. وَهَكَذَا أَبداً سَرْمَداً كُلَّمَا ارْتَقَى مَقَاماً وَوَفَّى بِوَظَائِفِهِ وَآدَابِهِ نَاسَبَ المَقَامَ الذِي فَوْقَهُ فَارْتَقَى إِلَيْهِ بِنِسْبَتِهِ، وَتَجَلَّى لَهُ فِيهِ مَا يَكُونُ المَقَامُ الذِي تَحْتَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنُقْطَةٍ فِِي بَحْرٍ. وَهَكَذَا أَبَداً سَرْمَداً فِي طُولِ عُمُرِ الآخِرَةِ الأَبَدِيِّ فَالعَارِفُ فِيهِ أَبَداً عَلَى هَذَا التَّرَقِّي فَالقُرْبُ هُنَا الذِي يُسَمَّى صَاحِبُهُ مُقَرَّباً هُوَ إِذَا وَفَّى السَّائِرُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوَظَائِفِ مَقَامِهِ وَآدَابِهِ نَاسَبَ المَقامَ الذِي فَوْقَهُ وَيُسَمَّى التَّرَقِّي فِي المَقَامَاتِ، هُوَ القُرْبُ الحَقِيقِيُّ لِلمُنَاسَبَةِ التِي فِيهِ. فَإِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ مَثَلاً أَنْ يَكُونَ فِي المَقَامِ الأَلْفِيِّ، وَيُنَاسِبُ المَقَامَ الذِي هُوَ مُكَمِّلٌ مِائَةَ أَلْفِ مَقَامٍ، فَلاَ يَرْتَقِيهِ لِبُعْدِ النِّسْبَةِ التِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءَ وَالتَّجَلِّيَاتِ التِي تَنْكَشِفُ لَهُ فِي المَقَامِ الذِي هُوَ مُكَمِّلٌ مِائَةَ أَلْفِ مَقَامٍ، لاَ يَقْدِرُ عَلَى وَظَائِفِهَا وَآدَابِهَا وَتَحْمُّلِ أَثْقَالَهَا مَنْ هُوَ فِي المَقَامِ المُكَمَّلِ أَلْفِ مَقَامٍ، فَهُوَ بِهَذِهِ الحَيْثِيَةِ هُوَ بَعِيدٌ مِنْهَا لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرْتَقِيَهَا حَتَّى إِذَا ارْتَقَى مَقَاماً مَقَاماً بَعْدَ مَقَامٍ بِتَوْفِيَةِ وَظَائِفِ كُلِّ مَقَامٍ وَآدَابِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ المَقَامَ المُكَمَّلَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ وَتِسْعَمائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَلْفَ مَقَامٍ، فَإِذَا اسْتَوْفَى وَظَائِفَهُ وَآدَابَهُ نَاسَبَ المَقَامَ المُكَمَّلَ مَائَةَ أَلْفٍ، فَيَرْتَقِيهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ كَانَ فِي المَقَامِ المُكَمَّلِ أَلْفاً فِي غَايَةِ البُعْدِ عَنْهُ، وَنَعْنِي بِالبُعْدِ عَدَمَ مُنَاسَبَتِهِ بِتَجَلِّي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَجَلِّّيَاتِهِ. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ القُرْبِ وَالبُعْدِ الذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ العَارِفُونَ. وَبِهَذَا تَمَّ الكَلاَمُ عَلَى القُرْبِ وَالسَّلاَمُ.
فَإِذَا وَفَّى بِوَظَائِفِ مَقَامِهِ أَدَباً وَخِدْمَةً وَمُنَاسَبَةً ارْتَقَى إِلَى المَقَامِ الذِي يَلِيهِ، وَكَانَتْ جَمِيعُ التَّجَلِّيَاتِ التِي فِي ذَلِكَ المَقَامِ الذِي ارْتَقَى إِلَيْهِ تُعْطِيهِ كُلَّمَا هُوَ فِيهَا مِنَ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ وَالأَسْرَارِ وَالأَحْوَالِ وَالمَقَامَاتِ وَالمُنَازَلاَتِ وَالكُشُوفَاتِ وَالتَّحَقُّقِ وَاليَقِينِ وَالتَّمْكِينِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّجْرِيدِ وَالحُكْمِ وَالدَّقَائِقِ وَالرَّقَائِقِ وَالحَقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ وَالمِنَحِ وَالمَوَاهِبِ، وَمَا لاَ تُحِيطُ بِهِ الأََفْكَارُ عَلَى غَايَةٍ تَضَاعُفِهَا فِي الأَعْمَارِ. فَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ وَظَائِفِ مَقَامِهِ أَتَتْهُ التَّجَلِّيَاتُ نَاقِصَةَ الفَيْضِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ، لَمْ تَأْتِهِ بِجَمِيعِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَوْفِيَتِهِ بِوَظَائِفِ مَقَامِهِ. وَهَكَذَا فَإِذَا ارْتَقَى إِلَى المَقَامِ الذِي فَوْقَهُ وَجَدَ فِيهِ النَّقْصَ لِلخَلَلِ الذِي لَحِقَهُ فِي المَقَامِ الأَوِّلِ. وَهَكَذَا هُوَ وَصْفُ أَهْلِ القُرْبِ دَائِماً.
قَوْلُهُ: "الدَّاعِي لَكَ بِإِذْنِكَ"، مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَهُوَ يَدْعُو الخَلْقَ إِلىَ اللهِ بِاللهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾[6] وَالحِكْمَةُ هُنَا هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ بِاللهِ بِلاَ إِقَامَةِ دَلِيلٍ وَلاَ بُرْهَانٍ، وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ صَعْبَةٌ لاَ انْقِيَادَ لِلخَلْقِ إِلَيْهَا لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِمْ عَنِ اللهِ بِمُتَابَعَةِ أَهْوَائِهِمْ، فَلَيْسَ يَسْتَجِيبُ بِالدَّعْوَةِ الأُولَى وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ بِاللهِ التِي هِيَ الحِكْمَةُ إِلاَّ أَهْلُ الصَّفَاءِ وَالتَّمْكِينِ، مُسْتَغْرِقِينَ فِي التَّوَجّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى هَذَا الذِي يَسْتَجِيبُونَ بِطَرِيقِ الحِكْمَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى دُونَ كَافَّةِ الخَلْقِ، فَإِنَّهُمْ مَشْغُولُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى بِمُتَابَعَةِ أَهْوَائِهِمْ، وَلِذَا عَطَفَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ. يَعْنِي عِظْهُمْ بِرِفْقٍ وَلِينٍ، يُرِيدُ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِوَعِيدِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّخْوِيفِ مِنْ شِدَّةِ عِقَابِهِ، وَتِذْكَارِهِمْ مَا حَلَّ بِالأُمَمِ قَبْلَهُمْ التِي عَصَتِ الرُّسُلَ مِنَ الهَلاَكِ وَالوَبَالِ، [مِثْلَ] عَادٍ وَثَمُودَ وَأَصْحُابَ مَدْيَنَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرَ اللهُ قِصَصَهُمْ فِي القُرْآنِ. فَإِنَّ هَؤُلاَءِ لَمَّا كَانُوا مَشْغُولِينَ بِمُتَابَعَةِ أَهْوَائِهِمْ أُمِرَ أَنْ يَعِظَهُمْ بِالمَوَاعِظِ التِي يَسْتَجِيبُونَ لَهَا بِالتَّخْوِيفِ بِشِدَّةِ العَذَابِ وَالهَلاَكِ، لِكَوْنِهِمْ لاَ يَسْتَجِيبُونَ بِالحِكْمَةِ. ثُمَّ عَطَفَ بِالمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ إِذَا هَبَطَ الإِنْسَانُ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ بِالبُعْدِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَأَخَذَ يُحَاجِجُ عَنْ أَبَاطِيلِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِضَلاَلِهِ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[7] فِي إِبْطَالِ حُجَجِ أَبَاطِيلِهِمْ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: حِينَ نَادَى أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ مَا وَقَعَ، جَاءَ إِلَى المَحَلِّ الذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مَجْرُوحاً بَعْدَمَا هَدَأَ القِتَالُ قََالَ لَهُمْ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ قََالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُجِيبُوهُ". فَسَكَتُوا. ثُمَّ نَادَى أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُجِيبُوهُ". ثُمَّ نَادَى أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ قَالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُجِيبُوهُ". فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: أَمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ يُرِيدُ أَنَّ بِهِمْ قِوَامُ الأَمْرِ. فَلَمْ يَصْبِرْ عُمَرُ حِينَئِذٍ وَاسْتَخَفَّ فَنَادَاهُ بَلَى بَقِيَ لَكَ مَا يُخْزِيكَ اللهُ بِهِ! فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانُ :أَنْشُدُكَ اللهَ يَا عُمَرُ أَقُتِلَ مُحَمَّدْ أَمْ لاَ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ هُوَ حَيٌّّ الآنَ يَسْمَعُ كَلاَمَكَ. قَالَ لَهُ أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنْ ابْنِ قَمِئَةَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أُعْلُ هُبَلُ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ كَانُوا جَعَلُوهُ فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَهُ. فَقَوْلُهُ أُعْلُ هُبَلُ أَظْهِرْ دِينَكَ أَيُّهَا الإِلَهُ قَالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: "قُولُوا لَهُ اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّّ" فَإِنَّ هَذِهِ القَوْلَةَ لَمْ يَجِدْ لَهَا دَافِعاً لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلُو عَلَيْهِ شَيْءٌ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثُمَّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: "قُولُوا لَهُ اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ". فَسَكَتَ إذاً وَلَمْ يَجِدْ دَافِعاً لِلْحُجَّةِ التِي قَامَتْ عَلَيْهِ لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلُو عَلَيْهِ شَيْءٌ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ هَذَا، وَلاَ يَشُكُّونَ فِيهِ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ حِينَ وَقَفَ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: إِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ اللهَ كَمَا يَزْعُمُ مَحَمَّدٌ فَوَاللهِ مَا لأَحَدٍ بِاللهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَإِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَوَاللهِ مَا بِنَا مِنْ ضُعْفٍ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ: "بِإِذْنِكَ"، يَعْنِي أَنَّهُ دَعَا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ يَعْنِي اِذْنَ اللهُ لَهُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَأَمْرَهُ بِذَلِكَ. قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَآ أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾[8] وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَآ أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾2 الآيَةُ، وَقَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَدَاعِيًا اِلَى اَللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾3 انْتَهَى.
قَوْلُهُ: "لِكَافَّةِ شُؤُونِكَ العِلْمِيَّةِ"، يَعْنِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم دَعَا جَمِيعَ الوُجُودِ كُلِّهِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى بَعْضُهُ بِالرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ، وَهُمْ بَنُو آدَمَ وَالجِنِّ وَالشَّيَاطِينَ، وَبَعْضُهُمْ بِالتَّصَرُّفِ. وَمَعْنَى التَّصَرُّفِ هُوَ التَّصَرُّفُ بِالأَسْرَار تَوَجَّهَ إِلَى الوُجُودِ بِفَيْضِهِ وَأَسْرَارِهِ، حَتَّى انْقَادَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الوُجُودِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ، [فَهِيَ الشُّؤُونُ]4 العِلْمِيَّةُ، وَنَعْنِي بِهِ جَمِيعَ الوُجُودِ.
قَوْلُهُ: "فَمَنْ أَجَابَ اصْطُفِيَ وَقُرِّبَ"، يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَجَابَ الدَّعْوَةَ مِنَ المَدْعُوِّينَ بِأَنَّهُ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَعَبَدَ اللهَ اصْطُفِيَ وَقُرِّبَ وَكَانَتْ مَأْوَاهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ أَبَى طُرِدَ وَلُعِنَ وَأُبْعِدَ، وَكَانَ مَأْوَاهُ النَّارَ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: "المُفِيضِ عَلَى كَافَّةِ مَنْ أَوْجَدْتَهُ بِقَيُّومِيَّةِ سِرِّكَ"، هَذَا وَصْفٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لأَنَّهُ مُفِيضٌ عَلَى كَافَّةِ خَلْقِ اللهِ عَلَى العُمُومِ وَالإِطْلاَقِ فِي كُلِّ مَا يَنَالُهُمْ مِنَ المَنَافِعِ دِيناً وَدُنْيَا وَأُخْرَى، وَمِنْ جَمِيعِ المَضَارِّ. كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مُفِيضٌ لِجَمِيعِهَا صلى الله عليه وسلم عَلَى جَمِيعِ الوُجُودِ. ثُمَّ وَصَفَ جَمِيعَ الوُجُودِ بِأَنَّهُ كَافَّةُ مَنْ أَوْجَدْتَهُ بِقَيُّومِيَّةِ سِرِّكَ وَالخَلْقُ كُلُّهُمْ أَوْجَدَهُمْ اللهُ تَعَالَى بِقَيُّومِيَّةِ السِّرِّ الإِلَهِيِّ، وَالقَيُّومِيَّةُ هِيَ الوَاقِعَةُ بِسِرِّ اسْمِهِ القَيُّومِ، وَالقَيُّومُ هُوَ المُقِيمُ لِجَمِيعِ الوُجُودِ ظَاهِراً وَبَاطِناً وَأَوَّلاً وَآخِراً، وَكُلاًّ وَبَعْضاً عَلَى الحَدِّ الذِي نُفِّذَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، وَتَصَوَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، فَهُوَ يُقِيمُ الوُجُودَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى حَدِّ ذَلِكَ المِقْدَارِ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ، وَلاَ يُفِيدُ فِي زِيَادَةِ ذَلِكَ سَبَبٌ مِنَ الأَسْبَابِ، أَعْنِي أَنْ يَزِيدَ عَلَى القَدْرِ الذِي نُفِّذَتْ بِهِ المَشِيئَةُ فِي الأَزَلِ، وَتَصَوَّرَ فِي سَابِقِ العِلْمِ الإِلَهِيِّ، فَلاَ سَبَبَ يُفِيدُ فِي هَذَا المَيْدَانِ لاَ زِيَادَةً وَنَقْصَ، فَلَيْسَ تَوَفُّرُ الأَسْبَابِ وَتَظَافُرُهَا يُفِيدُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى مِقْدَارَ [هَبْئَةٍ][9] عَلَى القَدْرِ الذِي نُفِّذَتْ بِهِ المَشِيئَةُ، وَلَيْسَ تَخَلُّفُ جَمِيعِ الأَسْبَابِ الحِكَمِيِّةِ تَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ المِقْدَارِ مِقْدَارَ هَبْئَةٍ، فَوُجُودُ الأَسْبَابِ وَعَدَمُهَا فِي هَذَا المَيْدَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَعَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ وَجَرْيِهِ وَقَعَ اسْمُهُ العَدْلُ، وَالعَدْلُ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي العَالَمِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الوُجُودِ عَلَى الحَدِّ الذِي نُفِّذَتْ بِِهِ المَشِيئَةُ، وَتَصَوَّرَ فِي سَابِقِ العِلْمِ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ، فَهَذَا مَعْنَى اسْمِهِ العَدْلِ.
قَوْلُهُ: "المَدَدُ السَّارِي فِي كُلِيَّةِ أَجْزَاءِ مَوْهِبَةً مِنْ فَضْلِكَ" مَعْنَاهُ هُوَ الْفَيْضُ عَلَى كَافَّةِ الُوُجُودِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي يُفِيضُهُ هُوَ مَدَدُهُ السَّارِي فِي جَمِيعِ الوُجُودِ، فَإِنَّ الفَيْضَ الإِلَهِيَّ مِنَ الحَضْرَةِ الرَّحْمَانِيَّةِ لِجَمِيعِ الوُجُودِ مِنَ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ يَجْتَمِعُ ذَلِكَ الفَيْضُ كُلُّهُ فِي الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَسْرِي مِنْهُ صلى الله عليه وسلم مُنْقَسِماً عَلَى جَمِيعِ الوُجُودِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم "إِنَّمَا أَناَ قَاسِمٌ وَاللهُ مُعْطِي". أَخْبَرَ أَنَّ العَطَاءَ الأَوَّلَ وَهُوَ الاقْتِطَاعُ الإِلَهِيَّ كَانَ مُفَصَّلاً فِي القِسْمَةِ عَلَى مَا نُفَِّذَتْ بِهِ المَشِيئَةُ الإلهْيَّةُ. وَالاقْتِطَاعُ أَوَّلاً كَانَ مِنَ اللهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَالتَّقْسِيمُ هُوَ تَنَاوُلُهُ مِنْ يَدِ المَلِكِ أَوْ مِنْ حَضْرَتِهِ وَتَوْصِيلهِ إِلَى مَنْ أََُمِرَ بِإِعْطَائِهِ، كَانَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ العَبْدِ الذِي يَأْمُرُهُ المَلِكُ بِتَوْصِيلِ العَطَايَا إِلَى النَّاسِ، فَهُوَ يُوَصِّلُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا عَلَى قَدْرِ مَا أَرَادَهُ المَلِكُ. فَهَذَا مَعْنَى الحَدِيثِ، وَهُوَ "إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ مُعْطِي"، وَكَمَا قَالَ الشَّيْخُ الأَكْبَرُ فِي صَلاَتِهِ فِي وَصْفِهِ صلى الله عليه وسلم: "القَلَمُ النُّورَانِي الجَارِي بِمَدَدِ الحُرُوفِ العَالِيَاتِ، وَالنَّفْسِ الرَّحْمَانِي السَّارِي بِمِدَادِ الكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ. فَهَذَا السَّرَيَانُ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَمِيعِ الوُجُودِ [كُلِّمَا][10] نُفِّذَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ الوُجُودِ، لاَ يَتَأَتَّى إِيصَالُهُ إِلَى أَرْبَابِهِ إِلاَّ بِنِيَابَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ مُطْلَقاً وَعُمُوماً مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ، وَلاَ تَخْصِيصٍ.
قَوْلُهُ: "كُلِّيَةَ أَجْزَاءِ مَوْهِبَةِ فَضْلِكَ"، اعْلَمْ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ عَلَى جُمَلِهِ وَتَفْصِيلِهِ كُلُّهِ، مَوْهِبَةٌ مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، جَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالوُجُودِ أَوَّلاً وَالخَلْقِ، ثُمَّ جَادَ ثَانِياً بِإِقَامَةِ الوُجُودِ، وَإِيصَالِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المَضَارِّ، فَمَا هُنَاكَ إِلاَّ فَضْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَوْلُهُ: "المُتَجَلِّي عَلَيْهِ فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ وَأُنْسِكَ"، يَعْنِي أَنَّ المُتَجَلِّى -بِفَتْحِ اللاَّمِ- عَلَيْهِ هُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ وَأُنْسِكَ، مِحْرَابُ القُدْسِ المُرَادُ بِهِ هُنَا هِيَ: الحَضْرَةُ الأَحْمَدِيَّةُ التِي فِيهَا يُقَدَّسُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَحْمَدُهُ حَقِيقَةَ حَمْدِهِ فِي مِحْرَابِ قُدْسِهِ، وَالقُدْسُ هُوَ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ الطَّاهِرُ مِنْ كُلِّ مَا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفِي مِحْرَابِ أُنْسِكَ، وَهُوَ الأُنْسُ بِاللهِ حَيْثُ لاَ التِفَاتَ لِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ فِي الحَدِيثِ صلى الله عليه وسلم: "لِي وَقْتٌ لاَ يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى". فَهَذَا الأُنْسُ بِاللهِ بِعَدَمِ الاِلْتِفَاتِ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: "بِكَمَالاَتِ أُلُوهِيَّتِكَ فِي عَوَالِمِكَ وَبرِّكَ وَبَحْرِكَ" هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى المُتَجَلِّى عَلَيْهِ، تَجَلَّى عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكَمَالاَتِ ذَاتِهِ، أَوْ بِكَمَالاَتِ أُلُوهِيَّتِهِ، يَعْنِي أَظْهَرَهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: "فِي عَوَالِمِكَ"، يَعْنِي فِي جَمِيعِ العَوَالِمِ مُطْلَقاً، وَجَمِيعُ العَوَالِمِ هُوَ مَا انْطَبَقَ عَلَيْهِ الطَّوْقُ الأَخْضَرُ وَمِنْ وَرَائِهِ لاَ شَيْءَ.
وَقَوْلُهُ: "وَبَرِّكَ وَبَحْرِكَ"، تَخْصِيصٌ بَعْدَ عُمُومٍ.
قَوْلُهُ: "فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاَةً كَامِلَةً تَامَّةً"، طَلَبَ المُصَلِّيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلاَةِ التَّامَّةِ الكَامِلَةِ، وَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ، وَصَلاَةُ اللهِ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم تَوْفِيقِيَةٌ لاَ تُعْرَفُ حَقِيقَتُهَا. وَمَا يَقُولُهُ فِيهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: "بِكَ وَمِنْكَ وَإِلَيْكَ وَعَلَيْكَ"، قَوْلُهُ بِكَ يَعْنِي بِذَاتِكَ، وَمِنْكَ يَعْنِي وَمِنْ ذَاتِكَ وَصَلِّ عَلَيْهِ إِلَيْكَ فَإِنَّ وُرُودَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى اللهِ تَعَالَى. قَالَ المُرْسِي رضي الله عنه: "النَّاسُ ثَلاَثَةٌ قَوْمٌ هُمْ بِشُهُودِ مَا مِنْهُمْ إِلَى اللهِ وَهُمْ العُبَّادُ وَالعَامَّةُ، وَقَوْمٌ هُمْ بِشُهُودِ مَا مِنَ اللهِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ الخَاصَّةُ، وَقَوْمٌ هُمْ بِشُهُودِ مَا مِنَ اللهِ إِلَى اللهِ"، فَالْخَاصَّةُ الأُولَى وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَةِ العُلُوِّ فَيَلْحَقُهُمُ النَّقْصُ مِنْ حَيْثُ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ المُهْدِي لَهُمْ، وَالمُعْطِي فَنَقْصُهُمْ هُوَ شُهُودُ وُجُودِهِمْ مَعَ وُجُودِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالكَمَالُ وَالتَّمَامُ للِطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ هُمْ بِشُهُودِ مَا مِنَ اللهِ إِلَى اللهِ فَلَيْسَ لِنُفُوسِهِمْ عِنْدَهُمْ شَأْنٌ حَتَّى يَعْطِيَهَا أَوْ يُهْدِيَ إِلَيْهَا، بَلْ انْمَحَقَ وُجُودُهُمْ تَحْتَ وُجُودِهِ فَلاَ أَيْنَ وَلاَ كَيْفَ وَلاَ غَيْرِيَّةَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الكَمَالُ.هُوَ المُعْطِي لاَ غَيْرِيَّةَ بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا ارْتَفَعَ الحِجَابُ شَهِدَ العَالَمُ كُلُّهُ شَأْنًا مِنْ شُؤُونِ الحَضْرَةِ الأَحَدِيَّةِ، فَلَيْسَ إِيرَادُهُ الأَشْيَاءَ إِلاَّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَالعَالَمُ كُلُّهُ شُؤُونُهُ، وَهَذَا المَشْهَدُ هُوَ مَشْهَدُ الأَفْرَادِ.
وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ فِي الاِقْتِدَاءِ بِهِ صلى الله عليه وسلم الصِّنْفُ الأَوَّلُ: العُلَمَاءُ اقْتَدَوْا بِهِ صلى الله عليه وسلم؟ فِي أَقْوَالِهِ. وَالصِّنْفُ الثَّانِي: العُبَّادُ اقْتَدَوْا بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَفْعَالِهِ. وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: الصُّوفِيَّةُ اقْتَدَوْا بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَخْلاَقِهِ. وَالصِّنْفُ الرَّابِعُ: العَارِفُونَ المُحَقِّقُونَ اقْتَدَوْا بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَحْوَالِهِ. فَمَذْهَبُ العُلَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَقْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَسْقُطُ بِهِ الحَرَجُ وَالإِثْمُ، وَنِهَايَتُهُمُ الجَنَّةُ. وَمَذْهَبُ العُبَّادِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَنْفِي النَّقْصَ وَالخَلَلَ عَنِ العَبْدِ، وَنِهَايَتُهُمُ الثَّنَاءُ مِنَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، وَتَعْظِيمُهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي مَوْقِفِ القِيَامَةِ. وَمَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْنَعُوا بِحَالَةِ أَهْلِ الإِسْلاَمِ بَلْ دَخَلُوا مَدَاخِلَ النَّبِيئِينَ وَالمُرْسَلِينَ، وَأَوَّلُ مَدَاخِلِ النَّبِيئِينَ وَالمُرْسَلِينَ التَّخَلُّقُ بِأَخْلاَقِهِمْ كَالحِلْمِ، وَالعَفْوِ وَالسَّخَاءِ، وَالإِيثَارِ، وَمُسَامَحَةِ الظَّالِمِ، وَالعَفْوِ عَنْهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَخْلاَقِ. وَأَمَّا العَارِفُونَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا مَدَاخِلَ الغَايَاتِ أَعْنِي غَايَاتِ النَّبِيئِينَ وَالمُرْسَلِينَ فَإِنَّ غَايَةَ العُبُودِيَّةِ التَّقَلُّبُ فِي أَحْوَالِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ، وَالاِتِّصَافُ [بِصِفَاتِ][11] اللهِ تَعَالَى، وَالتَّحَقُّقِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلاَ غَايَةَ وَرَاءَ هَذَا إِلاَّ الأُلُوهِيَّةُ، وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى العَبْدِ لاَ يَتَّصِفُ بِهَا إِلاَّ الإِلَهُ وَحْدَهُ. وَحَقِيقَةُ الأَحْوَالِ هِيَ التَّمْكِينُ مِنَ الثُّبُوتِ لِتَقَلُّبِ التَّجَلِّيَاتِ الإِلَهِيَّةِ وَتَطَوُّرِ الأَنْوَارِ القُدْسِيَّةِ مَعَ التَّلْوِينِ بِمُقْتَضَيَاتِهَا، وَتَوْفِيَةِ حُقُوقِهَا، وَآدَابِهَا، وَمُنْشَأُهَا أَصْلاَنِ: الأَصْلُ الأَوَّلُ: هُوَ مَشَاهَدَةُ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ بِعَيْنِ العِيَانِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. وَالأَصْلُ الثَّانِي: مَحَبَّةُ الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ لِذَاتِهَا لاَ لِعَارِضٍ غَيْرِهَا. وَالأَصْلُ الأَوَّلُ هُوَ الذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الأَصْلُ الثَّانِي وَإِلاَّ فَلاَ. [وَيُنْشَدُ][12]:
قَرِيبُ الوَجْدِ ذُو مَرْمىً بَعيدٍ .
|
عَلَى الأَحْـرَارِ مِنْهُـمْ وَالعَبِيـدِ .
| |||||
غَرِيبُ الوَصْفِ ذُو عِلْمٍ غَرِيبٍ .
|
كَـأَنَّ فُؤَادَهُ زُبَـرُ الحَدِيــدِ .
| |||||
لَقَدْ عَزَّتْ مَعَانِيـهِ فَغَابَـتْ .
|
عَـنِ الأَبْصَـارِ إِلاَّ للِشَّهِيـدِ .
| |||||
تَرَى الأَعْيَادَ فِي الأَوْقَاتِ تَجْرِي .
|
لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْـفُ عِيــدِ .
| |||||
وَلِلأَحْبَـابِ أَفْـرَاحٌ بِعِـيـدٍ .
|
وَلاَ تَجِدُ السُّـرُورَ لَـهُ بَعِيـدٍ .
| |||||
قَوْلُهُ: "وَعَلَيْكَ"، مَعْنَاهُ هُوَ عُلُوُّ العِنَايَةِ. يَعْنِي أَنَّ الحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اعْتَنَى بِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِالصَّلاَةِ لاَ يَتْرُكُ وَلاَ يُفَرِّطُ فِيهَا كَمَا قَالَ فِي الآيِةِ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي اَلاَرْضِ إِلاَّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾[13] يُرِيدُ حُكْماً حَتَّمَهُ عَلََى نَفْسِهِ، يَعْنِي لاَ يَتْرُكُهُ، وَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ اَلذِينَ يُومِنُونَ بِئَايَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ اِلرَّحْمَةَ﴾3 يَعْنِي أَنَّ هَذَا حُكْمٌ حَكَمَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لاَ يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ كَمَا قَالَ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾4 فَحَكَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ أَنَّهُ لاَ يَتْرُكُ الصَّلاَةَ عَلَى حَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم حَتْماً مَقْضِيّاً اعِتْنَاءً مِنْهُ بِحَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم، كَمَا اعْتَنَى بِجَمِيعِ الوُجُودِ، حَيْثُ حَكَمَ لَهُ عَلََى نَفْسِهِ بِالرَّحْمَةِ فَقَالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ اِلرَّحْمَةَ﴾5 الآيَةُ. فَطَلَبُ المُصَلِّي مِنَ اللهِ تَعَالَى الصَّلاَةَ عَلَى حَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَكُونَ بَارِزَةً مِنْ عَيْنِ العِنَايَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الاِعْتِنَاءِ بِالشَّيْءِ. فَهَذَا مَعْنَى وَعَلَيْكَ.
قَوْلُهُ: "وَسَلِّمْ عَلَيْهِ سَلاَماً تَاماً عَاماً شَامِلاً"، وَمَعْنَى السَّلاَمِ، هَهُنَا هُوَ الأَمَانُ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِحَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ تَشْوِيشاً، أَوْ تَنْغِيصاً، أَوْ نَقْصاً فِي الحَظِّ العَاجِلِ أَوِ الآجِلِ.
قَوْلُهُ: "تَامّاً"، يَعْنِي مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأُمُورِ لاَ يَقَعُ لَهُ تَشْوِيشٌ، وَلاَ تَنْغِيصٌ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ.
وَقَوْلُهُ : "عَامّاً شَامِلاً"، مَعْطُوفَاتٌ لِلتَّفَنُّنِ فِي العِبَارَةِ.
قَوْلُهُ: "لأَنْوَاعِ كَمَالاَتِ قُدْسِكَ"، يَعْنِي أَنَّهُ ذَكَرَ هَاهُنَا عُمُومَ السَّلاَمِ وَشُمُولَهُ، لأَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ كَمَالاَتِ القُدْسِ، وَهُوَ وُرُودُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى مِنْ حَضْرَةِ ذَاتِهِ، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ وُجُوهِ القُدْسِ.
قَوْلُهُ: "دَائِمَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ"، التَّثْنِيَةُ هَاهُنَا لِلصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ دَائِمَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: "مُتَّصِلَيْنِ"، دَفْعاً لِمَا يُوهَمُ فِي الدَّوَامِ أَنْ يُفْعَلَ مَرَّةً وَيُقْطَعَ أُخْرَى، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الدَّوَامِ فَهَذَا دَوَامٌ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِالاِتِّصَالِ بِأَنَّهُ لاَ يَفْرُغُ ذَلِكَ حَتَّى لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي هَذَا الاتِّصَالِ لأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ: "عَلَى خَلِيلِكَ وَحَبِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ"، قَوْلُهُ الخَلِيلُ وَالحَبِيبُ يَحْتَمِلُ هَاهُنَا عَطْفَ البَيَانِ وَالمُرَادَفَةَ [بِكَوْنِ:][14] الحَبِيبِ هُوَ الخَلِيلَ، وَالخَلِيلُ هُوَ الحَبِيبُ، وَيَحْتَمِلُ المُغَايَرَةَ. وَإِنْ قُلْنَا بِالمُغَايَرَةِ هَهُنَا فَالمُرَادُ بِالخَلِيلِ الذِي يَخُصُّهُ بِأَسْرَارِهِ لِيُسَارَّهُ بِأَسْرَارِهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلاَ يَعْرِفُ أَسْرَارَهُ غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ، وَالحَبِيبُ هُوَ الذِي يَكْتَنِزُهُ فِي بَاطِنِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ فِي الخَلْقِ حَبِيبٌ يُعَادِلُهُ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: "عَدَدَ مَا فِي عِلْمِكَ القَدِيمِ"، مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِكَ القَدِيمِ، فَإِنَّ إِحَاطَةَ العِلْمِ لاَ غَايَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ صَلاَةً مُتَعَدِّدَةً عَلَى عَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ العِلْمُ الإِلَهِيُّ.
قَوْلُهُ: "وَعَمِيمِ فَضْلِكَ"، مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ القَدِيمُ، وَعَلَى عَدَدِ مَا مَسَّهُ فَضْلُكَ العَظِيمُ، وَالمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ العَالَمِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَجَوَاهِرُهُ وَأَعْرَاضُهُ، فَإِنَّ جَمِيعَهُ وُجِدَ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، وَأُمِدَّ بَقَاؤُهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا هُنَاكَ إِلاَّ مَحْضُ فَضْلِهِ.
قَوْلُهُ: "وَنُبْ عَنَّا بِمَحْضِ فَضْلِكَ الكَرِيمِ"، ثُمَّ رَجَعَ المُصَلِّي فِي طَلَبِ النِّيَابَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى كَلَّفَ العِبَادَ بِالصَّلاَةِ عَلَى حَبِيبِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: ﴿اِنَّ اَللَّهَ وَمَلآئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيۤءِ﴾[15] الآيَةُ، حَيْثُ طَلَبْتَنَا يَا رَبِّ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، فَنُبْ عَنَّا أَنْتَ فِي ذَلِكَ صَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ نِيَابَةً عَنَّا كَمَا تُصَلِّي عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ لِنَفْسِكَ، وَكَذَا فِي السَّلاَمِ أَيْضاً كَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَمَعْنَى مَحْضِ فَضْلِكَ الكَرِيمِ، مَحْضِ الفَضْلِ أَنَّهُ يَرِدُ مِنَ اللهِ بِلاَ سَبَبٍ يَسْبِقُهُ.
قَوْلُهُ: "صَلاَتَكَ التِي صَلَّيْتَ عَلَيْهِ"، مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ مِنَّا فِي الصَّلاَةِ التِي سَأَلْنَاكَ فِي النِّيَابَةِ عَنَّا فِيهَا، صِلِّ عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلاَةَ التِي صَلَّيْتَ بِهَا عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ لِنَفْسِكَ، فَصَلِّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ تِلْكَ الصَّلاَةِ نِيَابَةً عَنَّا.
قَوْلُهُ: "فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ"، مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَبِّ وَهُوَ حِينَئِذٍ فِي مِحْرَابِ قُدْسِكَ، بِلاَ بُعْدٍ مِنْكَ، وَمِحْرَابُ القُدْسِ [هِيَ][16] حَضْرَتُهُ الأَحْمَدِيَّةُ التِي يَحْمَدُ فِيهَا رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهِيَ مِحْرَابُ القُدْسِ.
قَوْلُهُ: "وَهُوِّيَةِ أُنْسِكَ"، مَعْنَاهُ حَيْثُ يَكُونُ فِي بِسَاطِ الأُنْسِ بِكَ حَيْثُ أَنْتَ هُوَ وَهُوَ أَنْتَ، صَلِّ عَلَيْهِ فِي هَذَا البِسَاطِ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ: "وَعَلَى آلِهِ"، مَعْنَاهُ طَلَبَ المُصَلِّي مِنَ اللهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى آلِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَطَلَبَ المُصَلِّي أَيْضاً الصَّلاَةَ مِنَ اللهِ عَلَى صَحَابَةِ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ: "وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ"، يَعْنِي عَلَى الآلِ وَالصَّحَابَةِ، وَالسَّلاَمُ هُنَا هُوَ الأَمَانُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، يَعْنِي كَمَا وَرَدَ مِنْكَ الأَمَانُ عَلَى حَبِيبِكَ صلى الله عليه وسلم، فَأَوْرِدِ الأَمَانَ مِنْكَ عَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ.
قَوْلُهُ: "عَدَدَ إِحَاطَةِ عِلْمِكَ"، مَعْنَاهُ صَلِّ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ العِلْمُ القَدِيمُ، وَمَا أَحَاطَ بِهِ العِلْمُ الإِلَهِيُّ لاَ غَايَةَ لَهُ كَذَلِكَ، الصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ لاَ غَايَةَ لَهَا وَلاَ انْتِهَاءَ أَبَدَ الآبَادِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً، انْتَهَى مَا أَمْلاَهُ عَلَيْنَا شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا رضي الله عنه فِي شَرْحِ هَذِهِ الصَّلاَةِ مِنْ حِفْظِهِ وَلَفْظِهِ، أَوَاخِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَمَائَتَيْنِ وَأَلْفٍ عَلَى يَدِ أَفْقَرِ العَبِيدِ إِلَى مَوْلاَهُ الغَنِيِّ الحَمِيدِ عَلِيٍّ حَرَازمٍ بْنِ العَرَبِي بَرَّادَةَ، لَطَفَ اللهُ بِهِ آمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
0 Response to "SHOLAWAT GHOIBIYAH SYEKH IMAM AHMAD AT-TIJANY RA"
Post a Comment